مجد الدين ابن الأثير
112
المختار من مناقب الأخيار
يا ابن آدم ، قد مضت لنا أصول نحن فروعها ، فما بقاء الفرع بعد أصله . يا ابن آدم ، إنّما أهل هذه الدار سفر لا يحلّون عقد الرّحال إلّا في غيرها ، وإنّما يتبلّغون بالعواري . فما أحسن الشّكر للمنعم ، والتّسليم للمعير . أيّها الناس ، إنّما البقاء بعد الفناء ، ولقد خلقنا ولم نكن ، وسنبلى ثم نعود ، ألا وإنما العواري اليوم والهبات غدا ، ألا وإنّه قد تقارب منّا سلب فاحش أو عطاء جزيل ، فاستصلحوا ما تقدمون عليه بما تظعنون عنه . أيها الناس ، إنّما أنتم في هذه الدّار غرض « 1 » فيكم المنايا تنتضل ، وإنّ الذي أنتم فيه من دنياكم نهب للمصائب ، لا تتناولون فيها نعمة إلّا بفراق أخرى ، ولا يستقبل معمّر منكم يوما من عمره إلّا بهدم آخر ، ولا يحيا له أثر إلّا مات له أثر « 2 » . وقال لعطاء الخراساني : ويحك يا عطاء ، ألم أخبر أنّك تحمل علمك إلى أبواب الملوك ، وأبناء الدّنيا ؟ ويحك يا عطاء ، تأتي من يغلق عنك بابه ، ويظهر لك فقره ، ويواري عنك غناه ، وتدع من يفتح لك بابه ، ويظهر لك غناه ، ويقول : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [ غافر : 60 ] ؟ ويحك يا عطاء ، ارض بالدّون من الدّنيا مع الحكمة ، ولا ترض بالدّون من الحكمة مع الدّنيا . ويحك يا عطاء ، إن كان يغنيك ما يكفيك فإنّ أدنى ما في الدّنيا يكفيك ، وإن كان لا يغنيك ما يكفيك فليس في الدّنيا شيء يكفيك . ويحك يا عطاء ، إنّما بطنك بحر من البحور ، وواد من الأودية ، وليس يملؤه إلّا التراب « 3 » . وقال : الإيمان قائد ، والعمل سائق ، والنّفس بينهما حرون ، فإذا قاد القائد ولم يسق السائق « 4 » لم يغن ذلك شيئا ، وإذا قاد القائد ، وساق السائق اتّبعته النفس طوعا وكرها ، وطاب العمل « 5 » .
--> ( 1 ) الغرض : الهدف يرمى فيه . القاموس . ( 2 ) حلية الأولياء 4 / 24 بداية الخبر ، صفة الصفوة 2 / 291 ، 292 . ( 3 ) حلية الأولياء 4 / 43 ، صفة الصفوة 2 / 294 ، 295 . ( 4 ) في ( أ ) : ولم يسبق السابق . ( 5 ) صفة الصفوة 2 / 295 ، والخبر بنحوه في حلية الأولياء 4 / 31 .